السيد محمد حسين الطهراني
50
نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت
أجل ، فهذا مصداق للعمل بالقرآن ووسيلة لبيان أصالة وخلود تعاليمه ، فحين تقتضي الأمور عدم العفو والمسامحة يتوجّب على الإنسان التصدّي للمعتدي بكلّ ما أوتي من قوّة ، بقبضته بأسنانه وأظفاره ، وبالصراخ والنواح وإثارة الجَلَبَة ، فعليه أن يفعل ذلك . في مفهوم آية . خُذِ الْعَفْوَ وَأمُرْ بِالْعُرْفِ وَأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ أمّا حين يكون الضرر والخسارة شخصيّاً لا يتعلّق بمصلحة أو مفسدة عامّة فإنّ السكوت في هذه الحالة لن يؤثّر في إقرار الظلم والظالم ، بل إنّ الجهر بالجناية لن يكون له تأثير إلّا الحطّ من سمعة الإنسان وكرامته ويكون مدعاة لنشوب الخلافات والنزاعات الشخصيّة والعائليّة ، ولذلك فالعفو أولى من جهر الإنسان بالسوء بالقول في أمثال هذه الأمور ، عصمةً للّسان من التلوّث بالسوء ، وحفظاً للنفس الشريفة من الاضطراب والجدال والنزاع بلا طائل ، وحينذاك ستستقرّ حلاوة العفو والمسامحة في أعماق النفس ، ويجد صاحبها ينعها وحلاوتها وطراوتها كما لو كانت تلك الطراوة والحلاوة معه يتلذّذ بها على الدوام . وقد واجه هذا الحقير موارد كثيرة كانت مصداقاً لهذه الآية المباركة ، كنتُ في بعضها بصدد الدفاع والجهر بالقول ، وقدّمتُ في البعض الآخر العفوَ بتوفيق الله ومنّه ، وأعرض لإخواني الأعزّاء في ختام هذا البحث موردينِ من الموارد التي آثرتُ فيها العفو وتذوّقت ثمرته . المورد الأوّل . كانت علاقة والدي بي حميمة ، وكان يمتدحني أمام الجميع ، ثمّ جعلني وصيّه ووهبني كذلك مكتبته أيّام حياته ، وكنتُ آنذاك في الخامسة والعشرين من العمر ، حيث أنهيت دراستي وإقامتي في الحوزة العلميّة في قم وعزمتُ على التشرّف بالذهاب للنجف الأشرف لمواصلة الدرس والتحصيل حين التحق والدي برحمة الحقّ الأبديّة ، فاجبر هذا